مركز الثقافة والمعارف القرآنية
312
علوم القرآن عند المفسرين
ثلاث مرات . قلنا : ذلك محمول على إشباع المدّ في موضعه ، ويحتمل أن يكون حكاية صوته عند هزّ الراحلة ، كما يعترى رافع صوته إذا كان راكبا من انضغاط صوته وتقطيعه لأجل هز المركوب ، وإذا احتمل هذا فلا حجّة فيه . وقد خرّج أبو محمد عبد الغنىّ بن سعيد الحافظ من حديث قتادة . عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال : كانت قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدّ ليس فيها ترجيع . وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال : كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مؤذن يطرّب ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الأذان سهل سمح فإذا كان أذانك سمحا سهلا وإلا فلا تؤذّن » . أخرجه الدّار قطني في سننه . فإذا كان النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد منع ذلك في الأذان فأحرى ألا يجوّزه في القرآن الذي حفظه الرحمن ، فقال وقوله الحق : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » . وقال تعالى : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ « 2 » . قلت : وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات ، فإن زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق ، كما يفعل القرّاء بالدّيار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز ، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز ، ضلّ سعيهم ، وخاب عملهم ، فيستحلّون بذلك تغيير كتاب اللّه ، يهونون على أنفسهم الاجتراء على اللّه بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه ، جهلا بدينهم ، ومروقا عن سنّة نبيّهم ، ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم ، ونزوعا إلى ما يزيّن لهم الشيطان من أعمالهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، فهم في غيّهم يتردّدون ، وبكتاب اللّه يتلاعبون ، فإنّا للّه وإنا إليه راجعون ! لكن قد أخبر الصادق أن ذلك يكون ، فكان كما أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم . ذكر الإمام الحافظ أبو الحسين رزين وأبو عبد اللّه الترمذىّ الحكيم في « نوادر الأصول » من حديث حذيفة : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتابين ، وسيجئ بعدى قوم يرجعون بالقرآن ترجيع
--> ( 1 ) سورة الحجر : الآية 9 . ( 2 ) سورة فصلت : الآية 42 .